العلامة المجلسي
221
بحار الأنوار
جبل بعض المؤمنين على الايمان فلا يرتدون أبدا ، ومنهم من يعير الايمان عارية فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الايمان ( 1 ) . بيان : في القاموس جبلهم الله يجبل ويجبل خلقهم وعلى الشئ طبعه وجبره كأجبله ( 2 ) " فإذا هو دعا " فيه حث على الدعاء لحسن العاقبة ، وعدم الزيغ ، كما كان دأب الصالحين قبلنا ، وفيه دلالة أيضا على أن الاتمام والسلب مسببان عن فعل الانسان لأنه يصير بذلك مستحقا للتوفيق والخذلان . وجملة القول في ذلك أن كل واحد من الايمان والكفر قد يكون ثابتا ، وقد يكون متزلزلا يزول بحدوث ضده ، لان القلب إذا اشتد ضياؤه وكمل صفاؤه استقر الايمان وكل ما هو حق فيه ، وإذا اشتدت ظلمته وكملت كدورته استقر الكفر وكل ما هو باطل فيه ، وإذا كان بين ذلك باختلاط الضياء والظلمة فيه ، كان مترددا بين الاقبال والادبار ، ومذبذبا بين الايمان والكفر ، فان غلب الأول دخل الايمان فيه من غير استقرار ، وإن غلب الثاني دخل الكفر فيه كذلك ، وربما يصير الغالب مغلوبا فيعود من الايمان إلى الكفر ومن الكفر إلى الايمان ، فلابد للعبد من مراعاة قلبه ، فان رآه مقبلا إلى الله عز وجل شكره ، وبذل جهده ، وطلب منه الزيادة لئلا يستدبر وينقلب ويزيغ عن الحق كما ذكر سبحانه عن قوم صالحين " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " ( 3 ) وإن رآه مدبرا زائغا عن الحق تاب واستدرك ما فرط فيه ، وتوكل على الله ، وتوسل إليه بالدعاء والتضرع لتدركه العناية الربانية ، فتخرجه من الظلمات إلى النور ، وإن لم يفعل ربما سلط عليه عدوه الشيطان ، واستحق من ربه الخذلان ، فيموت مسلوب الايمان كما قال سبحانه " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " ( 4 ) أعاذنا الله من ذلك وسائر أهل الايمان .
--> ( 1 ) الكافي ج 2 ص 419 . ( 2 ) القاموس ج 3 ص 345 . ( 3 ) آل عمران : 8 . ( 4 ) الصف : 5 .